الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية السعودية… قراءة مقارنة في تجارب الضامن الدولي

بقلم/ المستشار سالم سلمان نائب وزير الصناعة والتجارة

بقلم/ المستشار سالم سلمان نائب وزير الصناعة والتجارة حين ينخرط الجنوبيون اليوم في مسار الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، فإنهم لا يبدؤون من فراغٍ سياسي، بل يتحرّكون ضمن سياق دولي زاخر بتجارب مشابهة شهدت حوارات داخلية عميقة، واختلافات حادّة، وأدوارًا حاسمة لما يُعرف بـ“الضامن” أو “الراعي” للعملية السياسية. ومن هنا تبرز أهمية قراءة المقارنة، لا لاستنساخ النماذج، بل لاستخلاص دروسها وتوظيفها بما يخدم خصوصية القضية الجنوبية. لقد شكّل اتفاق الطائف في لبنان نموذجًا بارزًا لدور الضامن الإقليمي، حيث رعت المملكة العربية السعودية، إلى جانب الجامعة العربية، حوارًا أنهى حربًا أهلية طاحنة، نجح الضامن في جمع الأطراف وصياغة تسوية سياسية أعادت توزيع السلطة وأوقفت النزيف العسكري، غير أن التجربة أظهرت أن الضمان الخارجي، مهما بلغ وزنه، لا يغني عن بناء مؤسسات داخلية قوية قادرة على حماية الاتفاق واستدامته. وفي البوسنة، جاء اتفاق دايتون برعاية وضمان دولي تقوده الولايات المتحدة وحلف الناتو، فتمكّن من إيقاف الحرب فورًا، وفرض ترتيبات دستورية وفيدرالية معقّدة ضمنت التوازن بين المكونات، غير أن هذا النموذج كشف وجهًا آخر للدور الضامن؛ إذ إن الإفراط في الاعتماد الخارجي قد ينتج دولة مستقرة أمنيًا، لكنها هشّة سياسيًا ومعتمدة على المظلة الدولية. أما في السودان، فقد رعت دولة جنوب السودان اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة والحركات المسلحة، نجح الضامن في توقيع الاتفاق ووقف القتال نسبيًا، لكن تعثّر التنفيذ لاحقًا بسبب ضعف المؤسسات والموارد، ما أكد أن التوقيع أسهل من التطبيق، وأن الضامن يفتح الباب… لكنه لا يمشي الطريق بدلًا عن الأطراف. وفي التجربة اليمنية ذاتها، مثّل مؤتمر الحوار الوطني برعاية أممية وخليجية محاولة شاملة لصياغة عقد سياسي جديد. ورغم غزارة مخرجاته، إلا أن غياب الضامن التنفيذي القادر على فرض الالتزام، إلى جانب اختلال موازين القوة، أدّى إلى انهيار المسار مع اندلاع الحرب، في درسٍ بالغ الأهمية مفاده أن التوافق غير المحمي بميزان استقرار حقيقي يبقى عرضة للانكسار. انطلاقًا من هذه النماذج، يمكن قراءة الدور السعودي في الحوار الجنوبي–الجنوبي بوصفه دور الضامن الميسّر لا الوصي المقرّر؛ أي المظلة التي تحمي الحوار من الانهيار، وتقرّب وجهات النظر عند الاختلاف، وتدعم تنفيذ المخرجات سياسيًا واقتصاديًا، دون أن تصادر القرار الجنوبي أو تحلّ محل إرادته. غير أن نجاح أي رعاية خارجية يظل مرهونًا بمدى نضج الداخل، فالاتفاق على الهدف الاستراتيجي — استعادة وبناء دولة جنوبية عادلة — يسبق الخلاف على التفاصيل. كما أن تثبيت حق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره يظل مرتبطًا بقدرة الجنوبيين على بناء مؤسسات فاعلة تدير المرحلة بكفاءة، وتحافظ على وحدة الجنوب السياسية والمجتمعية وهويته الجامعة. ومن هنا تتكامل الأبعاد السياسية مع الاقتصادية؛ إذ إن أي توافق لا ينعكس تنميةً، واستثمارًا، وتحسينًا في معيشة الناس، يبقى توافقًا نخبويًا هشًّا. فالدول لا تُبنى بالبيانات، بل بالمؤسسات، ولا تستقر بالاتفاقات فقط، بل بالاقتصاد القادر على حمل المشروع الوطني. •خلاصة مقارنة: تؤكد التجارب الدولية أن الضامن يستطيع: -جمع الأطراف. -منع انهيار الحوار. -دعم التوافق. -حماية التنفيذ. •لكنه لا يستطيع: -فرض قناعة داخلية. -بناء مؤسسات بدلًا عن أصحابها. -خلق شرعية لا تستند إلى إرادة شعبية. وعليه، فإن الحوار الجنوبي برعاية السعودية يمتلك فرصة تاريخية؛ فإذا التقت شجاعة المراجعة مع وحدة التوافق، واقترنت الرعاية الإقليمية برؤية مؤسسية واقتصادية ناضجة، أمكن تحويل الاختلاف من تهديد إلى طاقة بناء، ومن حوار أزمة إلى حوار تأسيس لدولة الجنوب القادمة. فالدول لا يفرضها الضامنون… بل يبنيها المتوافقون تحت مظلّة الضمان.حين ينخرط الجنوبيون اليوم في مسار الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، فإنهم لا يبدؤون من فراغٍ سياسي، بل يتحرّكون ضمن سياق دولي زاخر بتجارب مشابهة شهدت حوارات داخلية عميقة، واختلافات حادّة، وأدوارًا حاسمة لما يُعرف بـ“الضامن” أو “الراعي” للعملية السياسية. ومن هنا تبرز أهمية قراءة المقارنة، لا لاستنساخ النماذج، بل لاستخلاص دروسها وتوظيفها بما يخدم خصوصية القضية الجنوبية. لقد شكّل اتفاق الطائف في لبنان نموذجًا بارزًا لدور الضامن الإقليمي، حيث رعت المملكة العربية السعودية، إلى جانب الجامعة العربية، حوارًا أنهى حربًا أهلية طاحنة، نجح الضامن في جمع الأطراف وصياغة تسوية سياسية أعادت توزيع السلطة وأوقفت النزيف العسكري، غير أن التجربة أظهرت أن الضمان الخارجي، مهما بلغ وزنه، لا يغني عن بناء مؤسسات داخلية قوية قادرة على حماية الاتفاق واستدامته. وفي البوسنة، جاء اتفاق دايتون برعاية وضمان دولي تقوده الولايات المتحدة وحلف الناتو، فتمكّن من إيقاف الحرب فورًا، وفرض ترتيبات دستورية وفيدرالية معقّدة ضمنت التوازن بين المكونات، غير أن هذا النموذج كشف وجهًا آخر للدور الضامن؛ إذ إن الإفراط في الاعتماد الخارجي قد ينتج دولة مستقرة أمنيًا، لكنها هشّة سياسيًا ومعتمدة على المظلة الدولية. أما في السودان، فقد رعت دولة جنوب السودان اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة والحركات المسلحة، نجح الضامن في توقيع الاتفاق ووقف القتال نسبيًا، لكن تعثّر التنفيذ لاحقًا بسبب ضعف المؤسسات والموارد، ما أكد أن التوقيع أسهل من التطبيق، وأن الضامن يفتح الباب… لكنه لا يمشي الطريق بدلًا عن الأطراف. وفي التجربة اليمنية ذاتها، مثّل مؤتمر الحوار الوطني برعاية أممية وخليجية محاولة شاملة لصياغة عقد سياسي جديد. ورغم غزارة مخرجاته، إلا أن غياب الضامن التنفيذي القادر على فرض الالتزام، إلى جانب اختلال موازين القوة، أدّى إلى انهيار المسار مع اندلاع الحرب، في درسٍ بالغ الأهمية مفاده أن التوافق غير المحمي بميزان استقرار حقيقي يبقى عرضة للانكسار. انطلاقًا من هذه النماذج، يمكن قراءة الدور السعودي في الحوار الجنوبي–الجنوبي بوصفه دور الضامن الميسّر لا الوصي المقرّر؛ أي المظلة التي تحمي الحوار من الانهيار، وتقرّب وجهات النظر عند الاختلاف، وتدعم تنفيذ المخرجات سياسيًا واقتصاديًا، دون أن تصادر القرار الجنوبي أو تحلّ محل إرادته. غير أن نجاح أي رعاية خارجية يظل مرهونًا بمدى نضج الداخل، فالاتفاق على الهدف الاستراتيجي — استعادة وبناء دولة جنوبية عادلة — يسبق الخلاف على التفاصيل. كما أن تثبيت حق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره يظل مرتبطًا بقدرة الجنوبيين على بناء مؤسسات فاعلة تدير المرحلة بكفاءة، وتحافظ على وحدة الجنوب السياسية والمجتمعية وهويته الجامعة. ومن هنا تتكامل الأبعاد السياسية مع الاقتصادية؛ إذ إن أي توافق لا ينعكس تنميةً، واستثمارًا، وتحسينًا في معيشة الناس، يبقى توافقًا نخبويًا هشًّا. فالدول لا تُبنى بالبيانات، بل بالمؤسسات، ولا تستقر بالاتفاقات فقط، بل بالاقتصاد القادر على حمل المشروع الوطني. •خلاصة مقارنة: تؤكد التجارب الدولية أن الضامن يستطيع: -جمع الأطراف. -منع انهيار الحوار. -دعم التوافق. -حماية التنفيذ. •لكنه لا يستطيع: -فرض قناعة داخلية. -بناء مؤسسات بدلًا عن أصحابها. -خلق شرعية لا تستند إلى إرادة شعبية. وعليه، فإن الحوار الجنوبي برعاية السعودية يمتلك فرصة تاريخية؛ فإذا التقت شجاعة المراجعة مع وحدة التوافق، واقترنت الرعاية الإقليمية برؤية مؤسسية واقتصادية ناضجة، أمكن تحويل الاختلاف من تهديد إلى طاقة بناء، ومن حوار أزمة إلى حوار تأسيس لدولة الجنوب القادمة. فالدول لا يفرضها الضامنون… بل يبنيها المتوافقون تحت مظلّة الضمان.