الفاتورة الخفية
ليست كل البدايات تكون جمال للمقال ، ولا كل المقدمات تُكتب للاستعراض، فبعضها سؤال يولد في لحظة صدق ممزوجة بعلامة تعجّب،
ينكسر بعدها الصمت ، و يدفعك تقول بكل براءة::
كيف سيسلم حمام السلام هديله إلى غير الذين أشبعوه من فتات خبزهم؟
و كيف سيميز الغرباء بين قطعة أرض وأخرى ؟؟
وأنا أبحث عن جوابٍ بين أروقة جمال هذه الأسئلة ، تذكّرت أنني كتبت يومًا ما، بكل أمل :
صباح الخير… هنا حضرموت !! .
كتبت حينها عن مدينة السلام، تلك التي لم تنم ليلةً قبل أن تحرس أهلها وضيوفها في آنٍ واحد. عن مدينة بسيطة في أحلامها، تتناول فطورها الخالي من الدسم بعيدا عن مستوى الكوليسترول بكل صوره الدخيله علينا … مدينة تشبه أهلها في خفّتها و رضاها، وفي قدرتها على التعايش مع القليل دون أن تفقد أناقتها.
ثم كتبت مقالًا آخر يرسم بعض تفاصيل أهلها بعنوان : " حضرموت والحل المعجزة !! "
عن مدينةٍ فيها أبٌ يجاري أزمات الحياة بلسانٍ لا تفارقه كلمة الحمد لله، و أمٌ مربية بارعة تعقد هدنة باردة مع حبات الأرز، بكل هدوء ووقار، رغم ضيق الخيارات و شحّ البدائل.
وعن صبيٍّ لم تنضج لغته بعد، يُغنّي ليُسكت أخاه الرضيع، غير مدركٍ لكثرة أسماء الحليب ولا لفروقها، فالجوع في عالم الطفولة أبسط من كل هذه التفاصيل…، وأن البراءة وحدها ما زالت تتعامل مع هذا العالم ببساطتها الأولى..
ومع كل ذلك، كنا نعقد الأمل بالله دائمًا، و نردّد عنوان مقال آخر أن " نقطة آخر السطر لا تعني نهاية الطريق " .
فما زلنا نبحث عن معجزة تُنصف هويتنا، وترتقي بنا إلى المستوى المأمول، توازيًا مع ما نملكه من خيرات، في ظل تخاذلٍ واضح من ذوي القرار، وصمتٍ طال أكثر مما ينبغي.
ومع مرور الوقت، باتت النداءات العاطفية، لكثرة تكرارها، مجرد شعارات فقدت بريقها، و تآكلت مصداقيتها، حتى أصبحت كأنها نفايات فكرية تتخلّص منها الأيام بصمت ، دون أن تترك أثرًا يُعوّل عليه.
ومع ذلك، لا نزال نرفع سقف الأمل، ونقول لكل من نادى يومًا باسم هويتنا، ولكل من تحدث باسمنا:
فكتبت "من أجل وداد لحظة "… اتقوا الله فينا :
فقد ضاع الكثير من أعمارنا، و شاخت مع الوقت أحلامٌ كثيرة ، هرمنا قبل أواننا، ونحن نكتشف أن الضريبة التي خلّفتها الأزمات لم تكن واحدة، بل تعددت بتفنن واختلفت في داخل كل واحدٍ منا.
فما نعيشه ليس أزماتٍ عابرة، و ليست فاتورةً واحدة…بل فواتير خفيّة ، بأثمان غير معلنة، تُدفع بصمت، وتُستقطع من أعمارنا، ومن أحلامنا،
تتراكم دون أن تحمل توقيعًا، و تُطالِبنا بالدفع في أكثر اللحظات هشاشة، ومع ذلك، لا ينطفئ كل الضوء، فثمة معادن من البشر، لا تُرى سريعًا،
لكنها ثابتة في عمق المشهد، تُرمّم ما تكسّر،
وتخفّف ثِقل الفواتير بدعوةٍ صادقة،
أو فعلٍ دافئ، لذلك، نقول الحمد لله على كل حال.
فليس هذا رأيًا شخصيًا ، بل صدى أصواتٍ رسمها الواقع بألوانٍ متعدّدة .



